خطب النبي صلى الله عليه وسلم ليوم الجمعة

أسئلة في السيرة

السُّؤالُ

 

السُّؤالُ: أينَ خُطَبُ الرَّسُولِ–صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- لكُلِّ يومِ جُمعةٍ؟ لماذا لم تُدوَّن كأحاديثِهِ وسيرتِهِ، وحركاتِهِ،وصفاتِهِ، ومجالسِهِ؟ إنْ كانَ هناك الكثيرُ مِنْ أقوالِ الرَّسُولِ–صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ –وأفعالِهِ قَدْ نُقلتْ إلينا صغيرةً وحَتَّى كبيرةً؟.

 

الجَوَابُ: 

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ,والصَّلاةُ والسَّلامُ على نبيِّنا مُحمَّدٍ وآلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ.

 وبعدُ:

كانَ العَرَبُ قبلَ الإسلامِ يعتمدون عَلَى الحفظِ في نقلِ أشعارِهم وتاريخِهم، وأيَّامِهم ومآثرِهم، وأنسابِهم،واشتُهروا بقوةِ الذَّاكرةِ وسُرعةِ الحِفْظِ،ووصفَهُم اللهُ-عَزَّ وجَلَّ-بالأُميين،قَالَ–تعالى-:" هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ " الجمعة:2،وكان الكُتَّابُ فيهم ندرة، ثم جاء الإسلامُ، وحثَّ على العلم والكتابة،ووجد كُتَّابٌ في حياةِ النَّبيِّ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-,وقامُوا بتدوينِ القُرآنِ الكريمِ، ولكنَّهم لم يقومُوا بجمعِ حديثِ الرَّسُولِ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-وكتابتِهِ بشمولٍ واستقصاء،بل اعتمدُوا على الحفظِ والذَّاكرةِ في أغلبهِ،ولم يأمرْهم النَّبيُّ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-بذلكَ،ولعلَّهُ أراد المحافظةَ على مَلَكةِ الحفظِ عندهم,لاسيما وأنَّ الحديثَ تجوزُ روايتُهُ بالمعنى،ولا يُقصد بألفاظِهِ التَّعبدُ والإعجازُ,بخلافِ القُرآنِ الذي هو مُعْجِزٌ بلفظِهِ ومعناهُ،ومُتعبَّدٌ به،ثُمَّ كانَ هناك خشيةٌ في أول الإسلامِ أنْ يحدثَ التباسٌ عند عامة المسلمينَ، فيخلطوا القُرآنَ بالحديثِ إذا حصلَ كتابةُ القُرآنِ، والحديثِ في صحيفةٍ واحدةٍ،أو أنْ تُخلطَ الصُّحُفُ التي يُكتبُ فيها الحديثُ بالصُّحُفِ التي يُكتبُ فيها القرآنُ،وكذلك خشية انشغالِ المسلمينَ بالحديثِ عن القرآنِ,وهم حديثُو عهدٍ به؛ولهذا جاءَ في حديث أبي سعيد-رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-النَّهيُ عن كتابةِ الحديثِ،فعنه قال: قالَ رسولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-:" لَا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ" أخرجه مسلم ( 3004 ).

قال الرَّامهرمزي: " وحديث أبي سعيد الخدري –رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-،فأحسبه أنه كانَ محفوظاً في أول الهجرةِ،وحين كان لا يُؤمَنُ الاشتغالُ به عن القُرآنِ"( المحدث الفاصل 71 )،وقال الخَطَّابيُّ– عن الحديث-:"وجهه– والله أعلم– أن يكون إنما كُرِه أنْ يُكتبَ شيءٌ من القرآن في صحيفةٍ واحدةٍ، أو يُجمع بينهما في موضعٍ واحدٍ؛تعظيماً للقُرآنِ وتنزيهاً له أنْ يُسوَّى بينه وبين كلامِ غيرِهِ"( غريب الحديث 1/632)،وقد اعتنى الصَّحابةُ–رَضِيَ اللهُ عَنْهُم-بحفظِ السُّنَّةِ،وبلَّغُوها إلى مَنْ بعدهم،ثم دُوِّنتْ في المعاجمِ،والمصنَّفاتِ والمسانيدِ كما هو معلومٌ،وخُطَبُ النَّبيِّ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-لم يحصلْ تدوينُها وكتابتُها في عهدِ النَّبيِّ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-،لكنها تُوجَدُ في الغالبِ مُفرَّقةً فيما نقلَهُ الصَّحابةُ–رَضِيَ اللهُ عَنْهُم-،وقد لا يُنصُّ على أنَّ هذا الكلامَ قالَهُ النَّبيُّ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-في الخُطبةِ،ثم إنَّ الصحابةَ–رَضِيَ اللهُ عَنْهُم-قد ينقلُ بعضُهم أولَ كلامِهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ -في الخُطبةِ،وينقلُ صحابيٌّ آخرُ آخرَها أو وسطَها،ولهذا جاء في حديثِ أبي زيد عمرو بن أخطب–رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه قال:" صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- الْفَجْرَ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتْ الظُّهْرُ،فَنَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتْ الْعَصْرُ, ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِن،ٌ فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا " أخرجه مسلم ( 2892 ).،وقد يحصل النصُّ في بعضِ الأحاديثِ أنَّ النَّبيَّ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-قالَهُ في خُطبةِ الجمعةِ ومِنْ ذلكَ على سبيلِ المثالِ:

- ما رواه مسلمٌ ( 867 ) من حديثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ–رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاه،ُ وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: "صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ "،وَيَقُولُ: " بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ"،وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى،وَيَقُولُ: " أَمَّا بَعْدُ,فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا،وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ " ثُمَّ يَقُولُ: " أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ "

وفي لفظٍ: كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبيِّ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- يَوْمَ الْجُمُعَةِ: يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْه،ِ ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِ ذَلِك،َ وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ .

- ومما حُفظ من خُطَبِهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- أنه كانَ يُكثِرُ أنْ يخطبَ بالقُرآنِ وسورة (ق),كما جاء في صحيح مسلم ( 873 ) عن أُمِّ هشام بنت الحارث بْنِ النُّعْمَانِ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُا-,قَالَتْ: " مَا حَفِظْتُ ق إِلَّا مِنْ فِيِّ رَسُولِ اللَّهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ".

- وكَمَا جَاءَ في مُسندِ الإمامِ أحمدَ ( 20325 ) مِنْ حديثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ–رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: "بَرَاءَةٌ "وَهُوَ قَائِمٌ يُذَكِّرُ بِأَيَّامِ اللَّهِ ...."

- وفي روايةٍ عندَ ابنِ ماجه( 1101 ) مِنْ حديثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ–رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَبَارَكَ وَهُوَ قَائِمٌ فَذَكَّرَنَا بِأَيَّامِ اللَّهِ.. "

- ومما حُفظ مِنْ خُطبتِهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- أيضاً ما أخرجه ابن ماجه (1071) مِنْ حديثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ–رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا، وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا، وَصِلُوا الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِكُمْ لَهُ،وَكَثْرَةِ الصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ تُرْزَقُوا وَتُنْصَرُوا وَتُجْبَرُوا،وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ الْجُمُعَةَ فِي مَقَامِي هَذَا،فِي يَوْمِي هَذَا،فِي شَهْرِي هَذَا،مِنْ عَامِي هَذَا،إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدِي وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ اسْتِخْفَافًا بِهَا، أَوْ جُحُودًا لَهَا,فَلَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ،وَلَا بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ، أَلَا وَلَا صَلَاةَ لَه،ُ وَلَا زَكَاةَ لَهُ، وَلَا حَجَّ لَه،ُ وَلَا صَوْمَ لَهُ، وَلَا بِرَّ لَهُ، حَتَّى يَتُوبَ,فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، أَلَا لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا يَؤُمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِراً، وَلَا يَؤُمَّ فَاجِرٌ مُؤْمِناً إِلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ يَخَافُ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ ",وفي إسناد هذا الحديث علي بن زيد بن جدعان,وهو ضعيفٌ.

- وحُفِظَ من خُطبتِهِ–أيضاً-ما أخرجَهُ أبو داود ( 925 ) مِنْ حديثِ ابْنِ مَسْعُودٍ–رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- كَانَ إِذَا تَشَهَّدَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُه،ُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مِنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَه،ُ وَمَنْ يُضْلِل،ْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَة،ِ مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ رَشَدَ,وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَه،ُوَلَا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا"

- ومن خُطبِهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- أيضاً ما أخرجه البيهقيُّ في "شُعَب الإيمانِ"

(7/360) عن الحسن البصريِّ قال: طلبتُ خُطَبَ النَّبيِّ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- في الجمعة فأعيتني, فلزمتُ رجلاً من أصحابِ النَّبيِّ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-,فسألتُهُ عن ذلكَ،فقال: كان يقولُ في خُطبتِهِ يوم الجمعة-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-:"يا أيها النَّاسُ,إنَّ لكم علماً فانتهوا إلى علمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم،فإن المؤمن بين مخافتين: بين أجلٍ قد مَضَى لا يدري كيفَ صَنَعَ اللهُ فيه، وبين أجلٍ قد بقي لا يدري كيفَ اللهُ بصانعٍ فيه،فليتزوَّدِ المرءُ لنفسه ومِن دُنياه لآخرته، ومِن الشبابِ قبل الهرم، ومن الصحة قبل السقم، فإنكم خُلقتم للآخرة، والدنيا خُلقت لكم، والذي نفسي بيده ما بعدَ الموتِ مِنْ مُستعتبٍ، وما بعد الدُّنيا دارٌ إلا الجنة والنار،وأستغفرُ الله لي ولكم."

وكانَ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-يُعلِّمُ أصحابَهُ –رَضِيَ اللهُ عَنْهُم-في خُطبتِهِ قواعدَ الإسلامِ،وشرائعَهُ، ويأمرهم، وينهاهم في خُطبتِهِ إذا عرض له أمرٌ أو نهيٌ,كَمَا جاءَ فيصحيح البخاريِّ ( 930 )، ومسلم ( 875 )من حديثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ–رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-,قَالَ: بَيْنَا النَّبيُّ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-: "أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟" قَالَ: لَا، قَالَ: "قُمْ فَارْكَعْ".

ونهى المتخطِّي رقابَ النَّاسِ عن ذلكَ،وأمره بالجلوسِ، كما جاء فيما رواه أبو داودَ

(923) من حديث عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ –رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-: اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ، وربما قطع خطبته للحاجة تعرض، أو السؤال من أحد من أصحابه –رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- فيجيبه ثم يعود إلى خطبته فيتمها، وكان ربما نزل عن المنبر للحاجة ثم يعود، فيتمها كما جاء في سنن أبي داود ( 935 ) من حديث بُرَيْدَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- فَأَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ فَنَزَلَ فَأَخَذَهُمَا فَصَعِدَ بِهِمَا الْمِنْبَرَ ثُمَّ قَال: صَدَقَ اللَّهُ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ ثُمَّ أَخَذَ فِي الْخُطْبَةِ، وكان يدعو الرجل في خطبته تعال يا فلان، اجلس يا فلان، صل يا فلان، وكان يأمرهم بمقتضى الحالِ في خطبتِهِ,فإذا رأى منهم ذا فاقةٍ وحاجةٍ؛أمرهم بالصَّدقةِ وحَضَّهم عليها،كما جاء في صحيحِ مُسلمٍ(1017) مِنْ حديثِ جريرِ بنِ عبدِ اللهِ–رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-فِي صَدْرِ النَّهَارِ قَالَ فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوْ الْعَبَاءِ مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ,عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ,بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ,فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ,فَدَخَلَ,ثُمَّ خَرَجَ,فَأَمَرَ بِلَالاً–رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-,فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى،ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِلَى آخِرِ...." الحديث.

وكان يستسقي بهم إذا قحط المطرُ في خُطبتِهِ،كما جاء في صحيحِ البخاريِّ (933) مِنْ حديثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ–رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-,قَالَ: أَصَابَتْ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-,فَبَيْنَا النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ,قَامَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه,هَلَكَ الْمَال،ُ وَجَاعَ الْعِيَال،ُفَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً،فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ,ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-....."

وقَدْ حفظتْ بعضُ كُتُبِ التَّاريخِ نَصَّاً كامِلاً لبعضِ خُطَبِهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-,مثلُ ما جاءَ في تاريخِ الطَّبريِّ( 2/394 – 396 )،قالَ ابنُ جريرٍ:حدَّثني يونُس بنُ عبدِ الأعلى

أخبرنا ابنُ وهبٍ,عن سعيد بن عبد الرحمن الجُمَحي,أنه بلغه عَنْ خُطبةِ النَّبيِّ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- في أول جمعةٍ صَلَّاها بالمدينةِ في بني سالمِ بن عمرو بن عوف-رَضِيَ اللهُ عَنْهُم-:" الحمدُ للهِ، أحمدُهُ وأستعينُهُ، وأستغفِرُهُ وأستهديه،وأؤمنُ به ولا أكفره ،وأعادي مَنْ يكفرُهُ،وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له وأنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ،أرسلَهُ بالهُدَى،ودين الحقِّ والنور والموعظة على فترةٍ من الرُّسُلِ،وقلة من العلمِ،وضلالةٍ من النَّاسِ، وانقطاعٍ من الزَّمانِ،ودُنوٍّ من السَّاعةِ،وقُربٍ من الأجلِ. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومَن يعصهما فقد غَوَى وفرط، وضلَّ ضلالاً بعيداً،وأوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلمُ المسلمَ أنْ يَحُضَّهُ على الآخرةِ,وأنْ يأمرَهُ بتقوى اللهِ,فاحذروا ما حذَّركم اللهُ من نفسِهِ،ولا أفضل من ذلك نصيحة،ولا أفضل من ذلك ذكرى، وإنه تقوى لمن عمل به على وَجَلٍ،ومخافة، وعون، صدق ما تبتغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمر السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله، يكن له ذكراً في عاجل أمره، وذخراً فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد والذي صدق قوله وأنجز وعده لا خُلْفَ لذلك فإنه يقول –تعالى-: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (29) سورة ق. واتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية، فإنه من يتق الله فقد فاز فوزاً عظيماً، وإن تقوى الله توقي مقته، وتوقي عقوبته، وتوقي سخطه، وإن تقوى الله تبيض الوجه، وترضي الرب، وترفع الدرجة، خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، قد علمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا وليعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حي عن بينة، ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد الموت، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله، يكفه ما بينه وبين الناس، وذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم "

وقال البيهقيُّ:( دلائل النبوة 2/523- 525 ): باب أول خُطبةٍ خَطَبَهَا رسولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-حين قدم المدينةَ,أخبرنا أبو عبد الله الحافظ,أخبرنا أبو العباس الأصم,حدثنا أحمد بن عبد الجبار,حدثنا يونس بن بكير,عن ابن إسحاق,حدثني المغيرة بن عثمان بن محمد بن عثمان،والأخنس بن شريق،عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن بن عوف–رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-,قَالَ:كانتْ أول خُطْبةٍ خَطَبَهَا رسولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- بالمدينةِ أنْ قامَ فيها,فحمد الله،وأثنى عليه بما هو أهلُهُ,ثُمَّ قالَ:" أمَّا بعدُ, أيُّها النَّاسُ فقدمُوا لأنفسِكم، تَعْلَمُنَّ والله ليُصعقَنَّ أحدُكم،ثم ليدعن غنمَهُ ليس لها راعٍ,ثم ليقولن له رَبُّهُ-ليس له ترجمان ولا حاجبٌ يحجبه دونه-:ألم يأتِكَ رسولي فبلغك،وآتيتُكَ مالاً،وأفضلتُ عليكَ،فما قدَّمتَ لنفسك؟فينظر يميناً وشمالاً فلا يرى شيئاً،ثم ينظر قُدَّامَهُ فلا يَرَى غيرَ جهنم،فمن استطاع أنْ يقيَ وجهه من النَّارِ ولو بشقِّ تمرةٍ فليفعل،ومَنْ لم يجدْ فبكلمةٍ طيبةٍ، فإنَّ بها تجزئ الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضِعْفٍ،والسَّلامُ على رسولِ اللهِ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ"،ثُمَّ خَطَبَ رسولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-مرةً أُخرى,فقال:"إنَّ الحمدَ للهِ أحمدُهُ وأستعينُهُ،نعوذُ باللهِ من شُرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا،مَنْ يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له،ومَنْ يُضللْ فلا هاديَ له،وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له،إنَّ أحسنَ الحديثِ كتابُ اللهِ،قد أفلحَ مَن زيَّنهُ اللهُ في قلبِهِ،وأدخله في الإسلامِ بعدَ الكُفْرِ، واختاره على ما سواه مِنْ أحاديثِ النَّاسِ؛إنه أحسنُ الحديثِ وأبلغُهُ، أحِبُّوا مَنْ أحبَّ الله,أحِبُّوا الله مِنْ كُلِّ قلوبِكم,ولا تملُّوا كلامَ اللهِ وذكرَهُ،ولا تقسُ عنه قلوبُكم،فإنه مَن يختار اللهُ ويصطفي فقدْ سَمَّاهُ خيرته من الأعمال،وخيرتَهُ من العباد، والصالح من الحديث، ومن كُلِّ ما أُوتيَ النَّاسُ من الحلال والحرام،فاعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئاً،واتقوه حَقَّ تُقاتِهِ،واصدقُوا الله صالحَ ما تقولُون بأفواهِكم، وتحابُّوا برُوح اللهِ بينكم،إنَّ الله يغضبُ أنْ يُنكثَ عهدُهُ،والسَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ."

وفي إسنادِ ابنِ جريرٍ والبيهقيِّ إرسالٌ،قالَ ابنُ كثيرٍ-بعد أنْ ذَكَرَ أنَّ طريقَ ابنِ جريرٍ والبيهقيِّ فيهما إرسالٌ-قال: إلا أنَّها– أي رواية البيهقيِّ–مُقويةٌ لما قبلها,وإنِ اختلفتِ الألفاظُ(البداية والنهاية (4/528) .

ويُستدلُّ بما نُقِلَ مِنْ خُطَبِهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-على طريقتِهِ في الخُطْبةِ وهديهِ فيها؛فَمِنْ ذَلكَ: يقولُ ابنُ القَيِّمِ–رحمه الله-:كانتْ خُطبتُهُ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-,إنَّما هيَ تقريرٌ لأُصولِ الإيمانِ مِنَ الإيمانِ باللهِ، وملائكتِهِ، وكتبِهِ، ورسلِهِ، ولقائِهِ، وذكر الجنة والنار، وما أعدَّ اللهُ لأوليائِهِ، وأهلِ طاعتِهِ، وما أعدَّ لأعدائِهِ وأهلِ معصيتِهِ، فيملأ القلوبَ مِنْ خُطبتِهِ إيماناً وتوحيداً ومعرفةَ اللهِ وأيَّامِهِ.

وقَالَ:"ومَنْ تأمَّلَ خُطَبَ النَّبيِّ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-,وجَدَهَا كَفِيلةً ببيانِ الهُدَى،والتَّوحيدِ،وذكر صفاتِ الرَّبِّ-جَلَّ جَلالُهُ-،وأصول الإيمانِ الكلية،والدَّعوة إلى اللهِ،وذكر آلائِهِ–تعالى- التي تُحببه إلى خلقِهِ،وأيامه التي تُخوِّفهم مِنْ بأسِهِ،والأمر بذكرِهِ، وشكره الذي يُحببهم إليه،فيذكرون مِن عَظَمةِ اللهِ وصفاتِهِ، وأسمائِهِ، ما يُحبِّبهُ إلى خَلْقِهِ، ويأمرون من طاعته، وشكره، وذكره ما يحببهم إليه." زاد المعاد (1/ 423).

وهناك من المؤلِّفين مَنِ اعتنى بتتبعِ خُطَبِ النَّبيِّ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-,وأفردها بالتَّصنيفِ,مثل:

1- خُطَبُ النَّبيِّ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- لـ"علي بن محمد المدائني" (ت 215 هـ9).

2- خُطَبُ النَّبيِّ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-،لـ"أبي الشيخ محمد بن جعفر ابن حيان الأصبهاني" (ت 369 هـ) .

3- خُطَبُ النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-لـ"أبي العباس جعفر بن محمد المستغفري"(ت433 هـ).

4- أربعون خطبة للنَّبيِّ-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ-,مع شرحها، لـ"ابن ودعان محمد بن علي" (ت 494 هـ ).

وهذه الكتبُ حسب إطلاعي لم تصلْ إلينا.

هذا؛والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

نقلاً من موقع " إسلام أون لاين .نت"www.islamonline.net  :

 

?????? ????????