| تاريخ ظهور المولد وشبه مقيميه | ||||||||||||
|
إن الأمور التعبدية لا بد فيها من مستند شرعي، من كتاب الله أو سنة رسول الله -صلى الله عليه سلم-، أو إجماع علماء الأمة، وليس كل من استحسن شيئاً جعله عبادة يتقرب إلى الله بها، فالله لا يُعبد إلا بما شرع -سبحانه وتعالى-، ولا يقبل من الأعمال إلا ما كان على المنهج الذي رسمه النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمته وسار عليه صحابته الكرام.
تاريخ ظهوره: الاحتفال بالمولد محدث أحدثه الشيعة الفاطميون في القرون المتأخرة بعد القرون المفضلة لإفساد دين المسلمين، وأصل الاحتفال بالمولد يرجع إلى العبيدين -هم أبناء عبيد الله بن ميمون بن ديصان المشهور بالقداح اليهودي، قامت دولتهم في مصر سنة (362-564هـ) وكانوا من أجرأ الناس على استحداث البدع والمنكرات، التي لم ترد في كتاب ولا سنة- الذين يتسمون (بالفاطميين)، فهم أول من أحدث هذه البدعة في الأمة، وما كانت الموالد تعرف في دولة الإسلام قبل هؤلاء، وكان ذلك في القرن الرابع في القاهرة. وبقيت هذه الموالد على رسومها إلى أن أبطلها الأفضل بن أمير الجيوش، ثم أُعيدت في خلافة الآمر بأحكام الله في سنة أربع وعشرين وخمسمائة بعدما كاد الناس ينسونها. وأول من أحدث المولد بمدينة إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبوري ملك إربل في آخر القرن السادس وأول القرن السابع الهجري كما ذكره المؤرخون كابن كثير وابن خلكان وغيرهم. وقال أبو شامة: وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين، وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل وغيره. وقال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" في ترجمة ابن سعيد كوكبوري: (وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً... إلى أن قال: قال السبط: حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد أنه كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى.. إلى أن قال: ويعمل للصوفية سماعاً من الظهر إلى الفجر، ويرقص بنفسه معهم)(1).
مناقشة شبه مقيمي المولد: قد يتعلق من يرى إحياء هذه البدعة بشبه أوهى من بيت العنكبوت، ويمكن حصر هذه الشبه فيما يلي: 1. دعواهم أن في ذلك تعظيماً للنبي - صلى الله عليه وسلم-. والجواب عن ذلك أن نقول: إنما تعظيمه - صلى الله عليه وسلم- بطاعته، وامتثال أمره، واجتناب نهيه، ومحبته - صلى الله عليه وسلم-، وليس تعظيمه بالبدع والخرافات والمعاصي، والاحتفال بذكرى المولد من هذا القبيل المذموم؛ لأنه معصية. وأشد الناس تعظيماً للنبي - صلى الله عليه وسلم- هم الصحابة -رضي الله عنهم-، كما قال عروة بن مسعود لقريش: (أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله أن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدُّون النظر إليه تعظيماً له)(2). ومع هذا التعظيم ما جعلوا يوم مولده عيداً واحتفالاً، ولو كان ذلك مشروعاً ما تركوه. 2. الاحتجاج بأن هذا عمل كثير من الناس في كثير من البلدان. والجواب عن ذلك أن نقول: الحجة بما ثبت عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والثابت عن الرسول -صلى الله عليه وسلم - النهي عن البدع عموماً، وهذا منها، وعمل الناس إذا خالف الدليل فليس بحجة وإن كثروا: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} الأنعام: 116 مع أنه لا يزال بحمد الله في كل عصر من ينكر هذه البدعة، ويبين بطلانها، فلا حجة بعمل من استمر على إحيائها بعدما تبين له الحق. فممن أنكر الاحتفال بهذه المناسبة شيخ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم" والإمام الشاطبي في "الاعتصام"، وابن الحاج في "المدخل"، والشيخ تاج الدين علي بن عمر اللخمي ألف في إنكاره كتاباً مستقلاً، والشيخ محمد بن بشير السهسواني الهندي في كتابه "صيانة الإنسان" والسيد محمد رشيد رضا ألف فيه رسالة مستقلة، والشيخ عبد العزيز بن باز وغير هؤلاء ممن لا يزالون يكتبون في إنكار هذه البدعة كل سنة في صفحات الجرائد والمجلات، في الوقت الذي تقام فيه هذه البدعة، على أيدي من لا يسمع لعلماء الأمة، بل هو أصم، وإن سمع فيسمع لهواه؟ 3. يقولون: إن في إقامة المولد إحياء لذكر النبي - صلى الله عليه وسلم-. والجواب عن ذلك أن نقول: إن ذكرى الرسول - صلى الله عليه وسلم- تتجدد مع المسلم، ويرتبط بها المسلم كلما ذكر اسمه - صلى الله عليه وسلم- في الأذان والإقامة، والخطب، وكلما ردد المسلم الشهادتين بعد الوضوء، وفي الصلوات الخمس، وكلما صلى على النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلواته وعند ذكره، وكلما عمل المسلم عملاً صالحاً واجباً أو مستحباً مما شرعه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإنه بذلك يتذكره، ويصل إليه من الأجر مثل أجر العامل .... وهكذا المسلم دائماً يحي ذكرى الرسول ويرتبط به في الليل والنهار طول عمره بما شرعه الله، لا في يوم مولده فقط، وبما هو بدعة ومخالفة لسنته، فإن ذلك يبعد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم- ويتبرأ منه. والرسول - صلى الله عليه وسلم- غني عن هذا الاحتفال البدعي بما شرعه الله له من تعظيمه وتوقيره كما في قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}الشرح:3. فلا يذكر الله -عز وجل- في أذان ولا إقامة ولا خطبة إلا ويذكر بعده الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكفى بذلك تعظيماً ومحبة، وتجديداً لذكراه وحثاً على اتباعه، والله -سبحانه وتعالى- لم ينوه في القرآن بولادة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وإنما نوه ببعثته فقال: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ} آل عمران: 164 وقال: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ} الجمعة: 2. 4. قد يقولون: الاحتفال بذكرى المولد أحدثه ملك عادل عالم قصد به التقرب إلى الله! والجواب عن ذلك أن نقول: البدعة لا تقبل من أي أحد كان، وحسن القصد لا يسوغ العمل السيء، وكونه عالماً وعادلاً لا يقتضي عصمته. 5. قولهم: إن إقامة المولد من قبيل البدعة الحسنة؛ لأنه ينبئ عن الشكر لله على وجود النبي الكريم! ويُجاب عن ذلك بأن يُقال: ليس في البدع شيء حسن، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)(3)، وقال - صلى الله عليه وسلم-: (فإن كل بدعة ضلالة)(4)، فحكم على البدع كلها بأنها ضلالة، وهذا يقول: ليس كل بدعة ضلالة، بل هناك بدعة حسنة. قال الحافظ ابن رجب فقوله - صلى الله عليه وسلم-: "(كل بدعة ضلالة) من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله - صلى الله عليه وسلم-: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يُرجع إليه، فهو ضلالة والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقاد أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة"(5). وليس لهؤلاء حجة على أن هناك بدعة حسنة إلا قول عمر -رضي الله عنه- في صلاة التراويح: (نعمت البدعة)، وقالوا أيضاً: إنها أُحدثت أشياء لم يستنكرها السلف: مثل جمع القرآن في كتاب واحد، وكتابة الحديث وتدوينه. والجواب عن ذلك: أن هذه الأمور لها أصل في الشرع، فليست محدثة، وقول عمر: (نعمت البدعة)، يريد: البدعة اللغوية لا الشرعية، فما كان له أصل في الشرع يرجع إليه، إذا قيل: إنه بدعة فهو بدعة لغة لا شرعاً، لأن البدعة شرعاً: ما ليس له أصل في الشرع يرجع إليه. وجمع القرآن في كتاب واحد له أصل في الشرع، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان يأمر بكتابة القرآن، لكن كان مكتوباً متفرقاً فجمعه الصحابة في كتاب واحد حفظاً له. والتراويح قد صلاها النبي -صلى الله عليه وسلم- بأصحابه ليالي، وتخلف عنهم في الأخير خشية أن تُفرض عليهم، واستمر الصحابة -رضي الله عنهم- يصلونها أوزاعاً متفرقين في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعد وفاته، إلى أن جمعهم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- خلف إمام واحد كما كانوا خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- وليس هذا بدعة في الدين. وكتابة الحديث أيضاً: لها أصل في الشرع، فقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم- بكتابة بعض الأحاديث لبعض أصحابه لما طلب منه ذلك(6)، وكان المحذور من كتابته بصفة عامة في عهده -صلى الله عليه وسلم- خشية أن يختلط بالقرآن ما ليس منه، فلما توفي -صلى الله عليه وسلم- انتفى هذا المحذور؛ لأن القرآن قد تكامل وضُبط قبل وفاته -صلى الله عليه وسلم-، فدوّن المسلمون السنة بعد ذلك حفظاً لها من الضياع، فجزاهم الله عن الإسلام، والمسلمين خيراً حيث حفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم -صلى الله عليه وسلم- من الضياع وعبث العابثين. ويُقال أيضاً: لماذا تأخر القيام بهذا الشكر – على زعمكم- فلم يقم به أفضل القرون من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وهم أشد محبة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وأحرص على فعل الخير والقيام بالشكر، فهل كان من أحدث بدعة المولد أهدى منهم، وأعظم شكراً لله -عز وجل-؟ حاشا وكلا. 6. قد يقولون: إن الاحتفال بذكرى مولده - صلى الله عليه وسلم- ينبئ عن محبته، فهو مظهر من مظاهرها وإظهار محبته -صلى الله عليه وسلم- مشروع!. الجواب أن يقال: لا شك أن محبته - صلى الله عليه وسلم- واجبة على كل مسلم أعظم من محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين -بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه- ولكن ليس معنى ذلك أن نبتدع في ذلك شيئاً لم يشرعه لنا، بل محبته تقتضي طاعته واتباعه، فإن ذلك من أعظم مظاهر محبته، كما قيل:
فمحبته - صلى الله عليه وسلم- تقتضي إحياء سنته، والعض عليها بالنواجذ، ومجانبة ما خالفها من الأقوال والأفعال، ولا شك أن كل ما خالف سنته فهو بدعة مذمومة، ومعصية ظاهرة، ومن ذلك الاحتفال بذكرى مولده وغيرها من البدع. وحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين، فإن الدين مبني على أصلين: الإخلاص والمتابعة، قال تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} البقرة: 112 فإسلام الوجه: هو الإخلاص لله، والإحسان: هو المتابعة للرسول وإصابة السنة. 7. قد يقولون: إن في إحياء ذكرى المولد وقراءة سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في هذه المناسبة حثاً على الاقتداء والتأسي به! فنقول لهم: إن قراءة سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- والتأسي به مطلوبان من المسلم دائماً طوال السنة وطوال الحياة، أما تخصيص يوم معين لذلك بدون دليل على التخصيص فإنه يكون بدعة (وكل بدعة ضلالة) والبدعة لا تثمر إلا شراً وبعداً عن النبي -صلى الله عليه وسلم-(7). 8. استدلالهم بحديث يوم عاشوراء الذي في الصحيحين، وهو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا: هذا يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجى موسى، فنحن نصومه شكراً لله -تعالى-، فصامه -صلى الله عليه وسلم-، وأمر أصحابه بصيامه(8). فيستفاد من ذلك فعل الشكر لله -تعالى- على ما من الله به في يوم معين وإسداء نعمة ودفع نقمة، ويعاد في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يكون بأنواع الطاعات وأعمال البر كالسجود والصيام، والتلاوة، والصدقة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز النبي الذي هو نبي الرحمة في ذلك اليوم. الجواب عليهم أن يقال: إن تخريج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء ليس بوجيه، وإنما هو التكلف المردود، لأن العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الرأيى والاستحسان والابتداع. ولم يرو عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر أمته بالاحتفال بمولده، ولا أنه خص ليلة المولد أو يومه بشيء من الأعمال دون سائر الليالي والأيام، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)(9). وقال أيضاً: (من رغب عن سنتي فليس مني)(10)، وفي هذين الحديثين أبلغ رد على من جعل ليلة المولد عيداً وخصها بأعمال لم يأمر بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، في تلك الليلة ولم يفعلها، وفيهما أيضاً: رد على من خرج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء، لأن صيام يوم عاشوراء قد فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ورغَّب فيه، بخلاف الاحتفال بالمولد واتخاذه عيداً فإن النبي - صلى الله عليه وسلم- لم يفعله، ولم يرغِّب فيه، ولو كان في الاحتفال بالمولد واتخاذه عيداً أدنى شيء من الفضل لبيَّن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لأمته؛ لأنه لا خير إلا وقد دلهَّم عليه ورغَّبهم فيه، ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه. والبدع من الشر الذي نهاهم عنه وحذرهم منه(11). 9. قولهم: قد انتفع بالاحتفال بالمولد الشريف الكافر فقد جاء في صحيح البخاري أنه يخفف عن أبي لهب كل اثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لمَّا بشَّرته بولادة المصطفى - صلى الله عليه وسلم- وفي ذلك قال الحافظ شمس الدين الدمشقي:
فالجواب عليه من وجوه: أحدها: أن يُقال لهم لم يجيء في صحيح البخاري أنه يُخفَّف عن أبي لهب العذاب كل اثنين، ولا أن أبا لهب أعتق ثويبة من أجل بشارتها إياه بولادة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، فكل هذا من التقول على البخاري. وقد روى البخاري في أول كتاب النكاح من صحيحه في باب: "وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم" من طريق الزهري عن عروة بن الزبير أن زينب ابنة أبي سلمة أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان - رضي الله عنهما، أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله! أنكح أختي بنت أبي سفيان، فقال: (أوتحبين ذلك؟)، فقلت: نعم لست لك بمخلية وأحبُّ من شاركني في خير أختي، فقال - صلى الله عليه وسلم-: (إن ذلك لا يحل لي) قلت: فإنا نحدث أنك تُريد أن تنكح بنت أبي سلمة؟ قال: (بنت أم سلمة) قلت: نعم، فقال: (لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلَّت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علىَّ بناتكن ولا أخواتكن) قال عروة: وثوبية مولاة لأبي لهب وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما مات أبو لهب أُريه به بعض أهله بشرحيبه قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم؟ غير أني سُقيت في هذه بعتاقتي ثُويبة. هذا لفظ الحديث عند البخاري وليس فيه ما تقوله المتقولون(12). الوجه الثاني: أن يُقال: لم يثبت من طريق صحيح أن أبا لهب فرح بولادة النبي - صلى الله عليه وسلم-، ولا أن ثوبية بشرته بولادته، ولا أنه أعتق ثويبة من أجل البشارة بولادة النبي - صلى الله عليه وسلم-، فكل هذا لم يثبت، ومن ادعى ثبوت شيء من ذلك فعليه إقامة الدليل على ما ادعاه. الوجه الثالث: أن يقال إن خبر عروة مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدَّثه به، والمرسل لا يثبت به شيء. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" وعلى تقدير أن يكون موصولاً فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه. ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد فلا يحتج به. انتهى.فتح الباري (9/49). والمقصود هاهنا أن الرؤيا التي ذكرها عروة لم تثبت من طريق صحيح متصل فلا يعول عليها، والرؤى ليست بحجة في الشريعة الشريفة بإجماع العلماء إلا أن تكون رؤيا يراها النبي. وأما التخفيف عن أبي لهب في كل يوم اثنين فهذا لم يثبت بإسناد صحيح يعتمد عليه، بل ولم يرو بإسناد ضعيف، وإنما ذكره بعض المؤرخين بدون إسناد. ومثل هذا لا ينبغي أن يُتلفت إليه فضلاً عن أن يحتج به. 10. قولهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان يُعظَّم يوم مولده، ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه، وتفضله عليه بالوجود لهذا الوجود، إذ سعد به كل موجود، وكان يُعبِّر عن ذلك التعظيم بالصيام كما جاء في الحديث عن أبي قتادة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: سُئل عن صوم يوم الاثنين فقال: (فيه ولدت وفيه أُنزل علي) كما ورد في صحيح مسلم. فالجواب عليهم من وجوه: الأول: أن يُقال إن النبي - صلى الله عليه وسلم- لم يكن يخصَّ اليوم الثاني عشر من ربيع الأول بالصيام، ولا بشيء من الأعمال دون سائر الأيام، ولو كان يُعظِّم يوم مولده كما زعموا، لكان اتخذ ذلك اليوم عيداً في كل سنة، أو كان يخصه بالصيام، أو بشيء من الأعمال دون سائر الأيام، وفي عدم تخصيصه بشيء من الأعمال دون سائر الأيام دليل على أنه لم يكن يفضِّله على غيره، وقد قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} الأحزاب:21، والتأسي بالرسول - صلى الله عليه وسلم- هو التمسك بهديه والبعد عما أحدثه أهل البدع ومنها بدعة المولد؛ لأنها لم تكن من هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ولا من عمل أصحابه - رضي الله عنهم-. الوجه الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم- رغَّب في صيام يوم الاثنين من كل أسبوع، كما رغَّب في صيام يوم الخميس، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، وأيام البيض، وست من شوال، وكان يصوم حتى يقول القائل: لا يفطر ويفطر حتى يقول القائل: لا يصوم، وكان يكثر الصوم في شعبان، وكان يتحرى صيام يوم الاثنين والخميس، وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم- لم يخصَّ يوم الاثنين بالصيام دون الخميس فاستدلال هؤلاء بصوم يوم الاثنين على جواز الاحتفال ببدعة المولد في غاية البعد والتكلف. الوجه الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم- علل صيامه ليوم الاثنين والخميس بأنهما يومان تُعرض فيهما الأعمال على الله -تعالى-، وأنه يحب أن يُعرض عمله وهو صائم، وقد جاء ذلك في السنة المطهرة، فصيامه ليوم الاثنين والخميس بأنهما يومان تُعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، وأنه يحب أن يُعرض عمله وهو صائم أبلغ رد على من استدل بصيام يوم الاثنين على جواز الاحتفال ببدعة المولد. الوجه الرابع: أما قولهم أنه قد سعد بالنبي - صلى الله عليه وسلم- كل موجود، هذا الإطلاق خطأ كبير لأنه يلزم عليه إثبات الإيمان لجميع الإنس والجن، ونفي الكفر عن الكافرين منهم وهم الأكثرون، وهذا خلاف ما أخبر به في آيات كثيرة من القرآن كقوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} يوسف:103 وقوله تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} الفرقان:44. {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} الأعراف :179، وفي هذا أبلغ رد على من زعم أنه قد سعد بالنبي - صلى الله عليه وسلم- كل موجود. 11. قولهم: إن الله - تبارك وتعالى- قال: {وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} هود:120. وهذا يشير إلى أن الحكمة في قص أنباء الرسل وأخبارهم -عليهم الصلاة والسلام-، على النبي - صلى الله عليه وسلم- كان لتثبيت فؤاده الشريف بذلك، ولا شك أننا اليوم محتاجون إلى تثبيت أفئدتنا بأنبائه وأخباره وسيرته العطرة وجهاده - صلى الله عليه وسلم-، أكثر وأشد من احتياجه هو - صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك، والاحتفال السنوي بالمولد يحقق هذه الغاية العظيمة النبيلة. فالجواب: أن يُقال إن البدع كلها شر وضلال بنص رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وكلها مردودة بنص رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ولا فرق في ذلك بين بدعة المولد وغيرها من البدع، وما كان من الشر والضلالة والأمور المردودة فإنه لا خير فيه، ولا يرجى من ورائه تحقيق شيء من الغايات النبيلة، بل الفاعلون له متعرِّضون للوعيد الشديد على ارتكابهم لما حذَّر منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ووصفه بالصفات الذميمة ونص على رده قال الله -تعالى-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} النور:63، ومن أراد الاطلاع على أخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم-، وسيرته وجهاده فإنه يمكنه ذلك في غير ليلة المولد وحيث لا تكون بدعة. نسأل الله أن يجعلنا من المتبعين لسنة نبينا، والمقتدين به، وأن يهدينا ويهدي بنا، وأن يجيرنا من البدع والضلالات، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، والحمد لله رب العالمين. 1 - البداية والنهاية (13/147). 2 - البخاري -الفتح-كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد (5/388) رقم (2731،2732). 3 - البخاري-الفتح-كتاب الصلح باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (5/355) رقم (2697). 4 - أخرجه أحمد (4/126)، والترمذي (2676)، وقال الألباني صحيح انظر صحيح الجامع رقم (2549). 5 - جامع العلوم والحكم (ص 233). 6)) روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال في عام الفتح عندما طلب منه رجلٌ من أهل اليمن واسمه أبو شاة أن يكتب له كتابا فقال: (اكتبوا لأبي شاة) صحيح البخاري كتاب الديات باب من قتل له قتيلا فهو بخير النظرين (12/6880) رقم (6880). 7 - حقوق النبي صلى الله عليه وسلم بين الإجلال والإخلال ص 151-156. 8 - البخاري كتاب الصوم باب صوم يوم عاشوراء (4/287) رقم (2004)، ومسلم كتاب الصيام باب يوم عاشوراء (2/795) رقم (1130). 9 - مسلم كتاب الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (3/1343) رقم (1718). 10 - البخاري كتاب النكاح باب الترغيب في النكاح (9/5) رقم (5063). 11 - الرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن علوي" ص32. 12 - انظر: فتح الباري (9/43) رقم (5101). |